اسماعيل بن محمد القونوي

450

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره ) الظاهر أن الفاء للتفصيل عن الإتيان المكيف أي الإتيان بما يساويه أو يدانيه مراده بيان المنفي إذ لا مدخل للنفي في هذا البيان ولذا لم يقل فعبر عن عدم الإتيان قوله بالفعل متعلق بعبر الذي يعم الإتيان وغيره أي بحسب المفهوم وإن كان المراد هنا عدم الإتيان ومراده بالذي يعم بيان وجه صحة التعبير عن الإتيان بالفعل وهذا التعبير لا يكون مجازا إذا أطلق عليه باعتبار عمومه لا باعتبار خصوصه وإلا فمجاز قال النحرير في المطول إذا أطلق لفظ العام على الخاص لا باعتبار خصوصه بل باعتبار عمومه فليس من المجاز كما إذا رأيت زيدا فقلت رأيت إنسانا أو رأيت رجلا فلفظ إنسان أو رجل لم يستعمل إلا فيما وضع له لكنه قد وقع في الخارج على زيد وكذا الفعل هنا لم يستعمل إلا فيما وضع له لكنه قد وقع في الخارج على الإتيان وإن أريد الإتيان بخصوصه يكون مجازا بطريق ذكر اسم العام وإرادة الخاص . قوله : ( إيجازا ) هذا بيان الداعي إلى العدول عن التصريح بالإتيان المكيف إلى ذلك والمراد إيجاز القصر حيث وقع فإن لم تفعلوا موقع فإن لم تأتوا بسورة من مثله وهو مؤد لمعناه والمقام مقام الإيجاز ولا كلام أوجز منه لما قال في الكشاف ألا ترى أن الرجل يقول ضربت زيدا في موضع كذا على صفة كذا وشتمته ونكلت به ويعد كيفيات وأفعالا فتقول له بئس ما فعلت ولو ذكرت ما أنبته عنه لطال عليك انتهى . فاختير الإيجاز دفعا للسآمة والملال وتنشيطا للسامع بذكر لفظ جديد مع إفادة المعنى السديد ولو قيل فإن لم تأتوا بلا ذكر المفعول إيجازا أيضا قلنا هذا إيجاز حذف وإيجاز الاختصار أبلغ من إيجاز قوله : فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره يعني عبر عن الفعل الخاص وهو الإتيان المقيد بالتعلق بمفعوله الذي هو بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] بالفعل المطلق عن التعلق العام بحسب الظاهر لقصد الإيجاز وإلا فالمراد به في المعنى الإتيان المقيد بالتعلق إذ المعنى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] ولن تأتوا بسورة من مثله قال الراغب لفظ الفعل أعم معنى من سائر أخواته نحو الصنع والابداع والإحداث والخلق والكسب والعمل لأن الإبداع أكثر ما يقال في إيجاد عن عدم وليس حقيقة ذلك إلا اللّه تعالى والإحداث في إيجاد الأعيان والاعراض معا والعمل لا يقال إلا فيما كان عن فكر ورؤية ولهذا قرن بالعلم قال بعض الأدباء قلت لفظ العلم تنبيها على أنه من مقتضاه والصنع يقال في إيجاد الصورة في المعاد كالصياغة والخلق تقدير الاعراض الجسمانية وإيجادها وقد يقال للتقدير من غير إيجاد ولأن الخلق لا يستعمل إلا في ايجاد الأجسام واعراضها امتنع اطلاق الخلق على القرآن وفي الكشاف عبر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصار أو وجازة تغنيك عن طول المكنى عنه قيل مراده الكناية اللغوية وهي عدم التصريح بالشيء وتسمية الضمائر بالكناية من هذا القبيل وقيل يمكن أن يحمل على الكناية الاصطلاحية وهي أن ينفي العام لينفي الخاص وهذا أبلغ لكن قوله جار مجرى الكناية لا يساعد عليه لأن ظاهره أجرى مجرى الضمير في أنه إذا تقدم أشياء يجاء به أو باسم الإتيان فيعبر به عنها كقوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] .